السيد الطباطبائي
95
تفسير الميزان
أقول : بناء البيان على كونه تعالى غير محدود وكون غيره محدودا فإن هذه المعاني والنعوت وكل ما كان من قبيلها إذا طرا عليها الحد كانت لها إضافة ما إلى غيرها ، ويستوجب التحدد حينئذ أن تنقطع وتزول عما أضيفت إليه ، وتتبدل إلى ما يقابلها من المعنى . فالظهور إذا فرض محدودا كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شئ دون جهة أخرى وشئ آخر ، وصار الامر الظاهر باطنا خفيا بالنسبة إلى تلك الجهة الأخرى والشئ الاخر ، والعزة إذا اخذت بحد بطلت فيما وراء حدها فكانت ذلة بالنسبة إليه ، والقوة إذا كانت مقيدة تبدلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفا ، والظهور بطون في غير محله ، والبطون ظهور في الخارج عن مستواه . والملك إذا كان محدودا كان من يحده مهيمنا على هذا المالك ، فهو وملكه تحت ملك غيره ، والعلم إذا كان محدودا لم يكن من صاحبه لان الشئ لا يحد نفسه ، فكان بإفاضة الغير وتعليمه ، وهكذا . والدليل على أنه عليه السلام بنى بيانه على معنى الحد قوله : " وكل سميع غيره يصم عن لطيف الأصوات " ( إلخ ) ، فإنه وما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدودية المخلوقات ، والسياق واحد . وأما قوله عليه السلام : وكل مسمى بالوحدة غيره قليل " - والجملة هي المقصودة من نقل الخطبة - فبناؤه على معنى الحد ظاهر فإن الوحدة العددية المتفرعة على محدودية المسمى بالواحد لازمه تقسم المعنى وتكثره ، وكلما زاد التقسم والتكثر أمعن الواحد في القلة والضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة ، فكل واحد عددي فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي بإزائه ولو بالفرض . وأما الواحد الذي لا حد لمعناه ولا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة لعدم احتماله طرو الحد وعروض التميز ولا يشذ عن وجوده شئ من معناه حتى يكثره ويقوى بضمه ، ويقل ويضعف بعزله ، بل كلما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو . وفي النهج : ومن خطبة له عليه السلام : " الحمد لله الدال على وجوده بخلقه ، وبمحدث خلقه على أزليته ، وباشتباههم على أن لا شبه له ، لا يستلمه المشاعر ، ولا يحجبه السواتر